محمد بن جرير الطبري

20

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

سفيان ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد ، في قوله : أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ قال : بل هم قوم طاغون . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن عثمان بن الأسود ، عن مجاهد أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ قال : بل هم قوم طاغون . وقوله : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ يقول تعالى ذكره : أم يقول هؤلاء المشركون : تقول محمد هذا القرآن وتخلقه . وقوله : بَلْ لا يُؤْمِنُونَ يقول جل ثناؤه : كذبوا فيما قالوا من ذلك ، بل لا يؤمنون فيصدقوا بالحق الذي جاءهم من عند ربهم . وقوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ يقول : جل ثناؤه : فليأت قائلوا ذلك له من المشركين بقرآن مثله ، فإنهم من أهل لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، ولن يتعذر عليهم أن يأتوا من ذلك بمثل الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم إن كانوا صادقين في أن محمدا صلى الله عليه وسلم تقوله وتخلقه . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ . . . أَمْ خُلِقُوا . . . لا يُوقِنُونَ يقول تعالى ذكره : أخلق هؤلاء المشركون من غير شيء ، أي من غير آباء ولا أمهات ، فهم كالجماد ، لا يعقلون ولا يفهمون لله حجة ، ولا يعتبرون له بعبرة ، ولا يتعظون بموعظة . وقد قيل : إن معنى ذلك : أم خلقوا لغير شيء ، كقول القائل : فعلت كذا وكذا من غير شيء ، بمعنى : لغير شيء . وقوله : أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يقول : أم هم الخالقون هذا الخلق ، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر الله ، ولا ينتهون عما نهاهم عنه ، لأن للخالق الأمر والنهي أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يقول : أخلقوا السماوات والأرض فيكونوا هم الخالقين ، وإنما معنى ذلك : لم يخلقوا السماوات والأرض ، بَلْ لا يُوقِنُونَ يقول : لم يتركوا أن يأتمر والأمر ربهم ، وينتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى ، لأنهم خلقوا السماوات والأرض ، فكانوا بذلك أربابا ، ولكنهم فعلوا ، لأنهم لا يوقنون بوعيد الله وما أعد لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ . . . مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : أعند هؤلاء المكذبين بآيات الله خزائن ربك يا محمد ، فهم لاستغنائهم بذلك عن آيات ربهم معرضون ، أم هم المسيطرون . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : أم هم المسلطون . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ يقول : المسلطون . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أم هم المنزلون . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ قال : يقول أم هم المنزلون . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أم هم الأرباب ، ومن قال ذلك معمر بن المثنى ، قال : يقال : سيطرت علي : أي اتخذتني خولالك . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : أم هم الجبارون المتسلطون المستكبرون على الله ، وذلك أن المسيطر في كلام العرب الجبار المتسلط ، ومنه قول الله : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ يقول : لست عليهم بجبار مسلط . وقوله : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ يقول : أم لهم سلم يرتقون فيه إلى السماء يستمعون عليه الوحي ، فيدعون أنهم سمعوا هنا لك من الله أن الذي هم عليه حق ، فهم بذلك متمسكون بما هم عليه . وقوله : فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ يقول : قان كانوا يدعون ذلك فليأت من يزعم أنه استمع ذلك ، فسمعه بسلطان مبين ، يعني بحجة تبين أنها حق ، كما أتى محمد صلى الله عليه وسلم بها على حقيقة قوله ، وصدقه فيما جاءهم به من عند الله . والسلم في كلام العرب : السبب والمرقاة ؛ ومنه قول ابن مقبل : لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا * تبنى له في السماوات السلاليم ومنه قوله : جعلت فلانا سلما لحاجتي : إذا جعلته سببا لها . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ